أبي حيان التوحيدي
144
المقابسات
رديف الزمان . ولا سبيل في مثل هذه المسائل إلى معرفة الحقائق إلا بالأمانة التي هي شاملة للعالم ، غالبة عليه من محيطه إلى مركزه . وأما الانسان فلا شرف له أيضا على إنسان آخر ، من جهة حده الذي هو الحياة والنطق والموت ، لأن الحد في كل أحد واحد ، فإذا لا شرف من هذا الوجه ، فان اعتبر بعد هذا ، فعل هذا وفعل ذاك ، من جهة الاختيار والايثار والاكتساب والاجتلاب ، فذاك يقف على الأشرف فالأشرف ، والاعلى فالأعلى ، بحسب ما يوجد منظوما في نفسه ، نافعا لغيره ، واقعا موقعه الأخص منه 6 مقابسة [ في علة تفاوت وقع الالفاظ في السمع ، والمعاني في النفس ] قلت لأبى بكر القومسى - وكان كبير الطبقة في الفلسفة ، وقد لزم يحيى بن عدي « 1 » زمانا ، وكتب لنصر الدولة ، وكان حلو الكتابة ، مقبول الجملة - : ما معنى قول بعض الحكماء : الألفاظ تقع في السمع ، فكلما اختلفت كانت أحلى ، والمعاني تقع في النفس ، فكلما اتفقت كانت أحلى ؟ فقال : هذا كلام مليح ، وله قسط من الصواب والحق ، إن الالفاظ يشملها السمع ، والسمع حس ، ومن شأن الحس التبدد في نفسه ، والتبدد بنفسه . والمعاني تستفيدها النفس ، ومن شأنها التوحد بها والتوحيد لها ،
--> ( 1 ) هو أبو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي الفيلسوف ، نزل بغداد وتخرج بأبى بشر متى بن يونس وأبى نصر الفارابي ، وغيرهما ، وإليه انتهت رئاسة المناطقة في زمانه ، وكان نصرانيا يعقوبي النحلة . وكان كثير النسخ للكتب ذا صبر وجلد فيه ، وله مصنفات عدة في كثير من العلوم والفنون . توفى ببغداد عن إحدى وثمانين سنة في عام 364 ه .